تصدّر المغرب، لأول مرة، مؤشر التصنيع في إفريقيا، بعدما أزاح جنوب إفريقيا عن المركز الأول الذي احتلته منذ سنة 2010. ويضع هذا التصنيف الجديد المملكة أمام محطة اقتصادية لافتة، لكنه يفتح، في الوقت نفسه، أسئلة تتجاوز ترتيب المؤشرات إلى الأثر الحقيقي للتصنيع على التشغيل والمقاولات الصغرى والتنمية المجالية.
وحسب مؤشر التصنيع الإفريقي لسنة 2025، الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، حصل المغرب على 0,8415 نقطة، متقدماً بفارق محدود على جنوب إفريقيا التي سجلت 0,8396 نقطة. ويقيس المؤشر تطور التصنيع في 54 بلداً إفريقياً خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2024.
ويعكس تقدم المغرب، وفق المعطيات المعلنة، مساراً تراكمياً قام على تطوير قطاعات صناعية موجهة للتصدير، وفي مقدمتها صناعة السيارات والطيران والصناعات المرتبطة بالفوسفاط ومشتقاته، إلى جانب توسيع البنيات اللوجستيكية ومناطق التسريع الصناعي وربط الصناعة بسلاسل القيمة الدولية.
صناعة السيارات والطيران.. محرّكان لصعود المغرب
لم يأت هذا الترتيب من فراغ. فقد تمكن المغرب خلال السنوات الماضية من بناء منظومة صناعية في قطاع السيارات، جذبت مصنعين ومجهزين دوليين، ورفعت مستوى الاندماج المحلي والتصدير. كما رسخت صناعة الطيران حضورها داخل سلاسل الإنتاج العالمية، من خلال وحدات متخصصة في الأسلاك والمكونات والصيانة والهندسة الصناعية.
وفي قطاع الفوسفاط، انتقل المغرب تدريجياً من تصدير المادة الخام إلى توسيع الصناعات التحويلية والأسمدة، بما يمنحه موقعاً أكثر قوة في الأسواق الدولية، خصوصاً في سياق ارتفاع أهمية الأمن الغذائي العالمي وحاجة الدول إلى الأسمدة.
غير أن نجاح التصنيع لا يقاس فقط بحجم المصانع أو قيمة الصادرات. فالمعيار الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين يبقى عدد فرص الشغل المستدامة، ومستوى الأجور، وقدرة الصناعة على إدماج الشباب وحاملي الشهادات وسكان الجهات خارج الأقطاب الكبرى.
صدارة صناعية في مواجهة سؤال التشغيل
تصدر المغرب المؤشر الإفريقي يمنح صورة إيجابية عن تنافسيته الصناعية، لكنه لا يلغي التحديات المرتبطة بسوق الشغل. فالسؤال المطروح اليوم هو: هل نجحت وتيرة التصنيع في إنتاج وظائف كافية تتناسب مع حجم الاستثمار العمومي والخاص الموجه إلى البنيات التحتية والمناطق الصناعية والتحفيزات الممنوحة للمستثمرين؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل بحث آلاف الشباب سنوياً عن فرص عمل مستقرة، وفي ظل تفاوت الاستفادة من الدينامية الصناعية بين الجهات. فجزء مهم من الأنشطة الصناعية يتركز في محاور محددة، من طنجة إلى القنيطرة والدار البيضاء، بينما ما تزال جهات أخرى تنتظر نصيبها من الاستثمار المنتج وفرص الشغل.
ويطرح التصنيف أيضاً مسألة القيمة المضافة المحلية. فالمطلوب لم يعد مجرد استقبال وحدات إنتاج مرتبطة بمجموعات دولية، وإنما رفع نسبة المكونات المنتجة داخل المغرب، وتقوية البحث والتطوير، وتأهيل الموردين المحليين، وتحويل الصناعة إلى رافعة حقيقية لبناء الخبرة الوطنية.
هل تستفيد المقاولات الصغرى من هذا التحول؟
التحدي الآخر يرتبط بموقع المقاولات الصغيرة والمتوسطة داخل المنظومات الصناعية الكبرى. فهذه المقاولات تشكل القاعدة الواسعة للاقتصاد الوطني، لكنها تواجه صعوبات التمويل والولوج إلى الصفقات وسلاسل التوريد والتكنولوجيا والتكوين.
وتحتاج صدارة المغرب الصناعية إلى ترجمة عملية تتيح لهذه المقاولات التحول من مزود محدود للخدمات إلى شريك قادر على إنتاج المكونات وخلق الوظائف والتوسع في الأسواق. كما تتطلب تعزيز الربط بين التكوين المهني والجامعات وحاجيات المصانع، حتى لا يتحول نقص الكفاءات إلى عائق أمام مواصلة التقدم الصناعي.
إنجاز مهم.. والاختبار يبدأ الآن
إن وصول المغرب إلى صدارة مؤشر التصنيع الإفريقي يشكل اعترافاً بمسار استثماري وصناعي متراكم. لكنه لا يمثل نهاية الطريق. فالنجاح الحقيقي سيكون في تحويل هذه الصدارة إلى فرص شغل أوسع، وأجور أفضل، ومقاولات وطنية أقوى، واستثمارات موزعة بعدالة أكبر بين الجهات.
لقد ربح المغرب موقعاً متقدماً في سباق التصنيع الإفريقي. أما الرهان المقبل، فهو أن يشعر المواطن والمقاول الصغير والجهة البعيدة عن المحاور الصناعية الكبرى بأن هذا الإنجاز ينعكس فعلاً على حياتهم وعلى مستقبل أبنائهم.








تعليقات
0