تراجعت أسعار النفط في الأسواق الدولية، اليوم الجمعة، على وقع مؤشرات عن احتمال تمديد وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام استعادة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. غير أن هذا الانخفاض لم يبدد المخاوف المرتبطة بفاتورة الطاقة في المغرب، بعدما رفعت اضطرابات الإمدادات توقعات أسعار النفط خلال السنة الجارية، وبدأت آثارها تظهر في مؤشرات الأسعار الداخلية.
ويأتي هذا التطور في توقيت حساس بالنسبة للأسر المغربية، التي خرجت من عيد الأضحى تحت ضغط مصاريف مرتفعة وميزانيات أنهكتها أسعار الأضاحي والنقل والمواد الأساسية. وبينما تتعلق الأنظار بانخفاض برميل النفط، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ينعكس هذا التراجع سريعاً على أسعار المحروقات وتكاليف المعيشة في المغرب؟
تراجع في السوق.. لكن التوقعات ترتفع
أفادت وكالة رويترز بأن أسعار النفط سجلت تراجعاً اليوم الجمعة، مدفوعة بآمال التوصل إلى تفاهم يسمح بتمديد التهدئة وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة تدريجية. غير أن الأسواق ما تزال تتعامل بحذر مع هذه المؤشرات، في ظل غياب ضمانات نهائية بشأن عودة التدفقات النفطية إلى مستواها الطبيعي.
ويزداد هذا الحذر بعدما رفع محللون، في استطلاع أجرته رويترز خلال ماي، توقعاتهم لمتوسط سعر خام برنت خلال سنة 2026 إلى 90,44 دولاراً للبرميل، مقابل 86,38 دولاراً في توقعات أبريل. ويعكس هذا الارتفاع حجم القلق من استمرار اضطراب الإمدادات وصعوبة استعادة التوازن سريعاً، حتى في حال تثبيت وقف إطلاق النار.
فالنفط لا يتحرك فقط وفق الأخبار السياسية الآنية. عودة السفن، وإصلاح سلاسل الإمداد، واستعادة المخزونات، واستقرار التأمين والنقل البحري، كلها عناصر قد تجعل أثر الأزمة ممتداً زمنياً، حتى بعد تراجع حدة المواجهة العسكرية.
المغرب أمام فاتورة طاقة حساسة
تكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى ارتباط السوق الوطنية بواردات الطاقة. وقد أفادت رويترز، في وقت سابق من الشهر الجاري، بأن الحكومة تعتزم إضافة 20 مليار درهم إلى ميزانية 2026 لمواجهة الانعكاسات الاقتصادية للصراع في الشرق الأوسط، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً عبر إجراءات مرتبطة بغاز البوتان والنقل العمومي والكهرباء.
ويكشف هذا المعطى أن صدمة الطاقة لا تُقرأ فقط في محطات الوقود، وإنما تمتد إلى ميزانية الدولة وكلفة الدعم ونفقات النقل والإنتاج والتوزيع. فأي ارتفاع مستمر في أسعار الطاقة ينعكس على المقاولات ووسائل النقل، ثم يجد طريقه تدريجياً إلى أثمنة السلع والخدمات.
وتؤكد أرقام المندوبية السامية للتخطيط أن الضغط بدأ يظهر بالفعل. فقد ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك خلال شهر أبريل 2026 بنسبة 0,4 في المائة مقارنة بشهر مارس، نتيجة ارتفاع أسعار المواد غير الغذائية بـ1,2 في المائة، مقابل انخفاض المواد الغذائية بـ0,6 في المائة.
والأكثر دلالة أن أسعار المحروقات ارتفعت، خلال الشهر نفسه، بـ21,8 في المائة، وهو ارتفاع قوي يعكس حساسية السوق الداخلية للصدمات الخارجية، خصوصاً عندما تتزامن مع اضطرابات في الإمدادات العالمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
هل يكفي تراجع النفط لخفض الأسعار؟
انخفاض أسعار النفط في جلسة أو أسبوع لا يعني بالضرورة تراجعاً فورياً في الأسعار التي يدفعها المستهلك المغربي. فالسوق تتأثر بمخزونات الشركات، وكلفة الشراء السابقة، وتقلبات سعر الصرف، ومصاريف النقل والتوزيع، فضلاً عن هوامش الربح وآليات المنافسة.
ولهذا يبقى المواطن في حاجة إلى وضوح أكبر بشأن كيفية انتقال انخفاض الأسعار العالمية إلى السوق الوطنية، والمدة اللازمة لذلك، ومدى مساهمة إجراءات الدولة في حماية القدرة الشرائية بدل الاكتفاء بامتصاص الصدمات مؤقتاً.
وتزداد حساسية هذا السؤال بعد عيد الأضحى، حيث وجدت أسر كثيرة نفسها أمام مصاريف استثنائية، بينما تستمر كلفة التنقل والغذاء والخدمات في الضغط على ميزانياتها الشهرية.
الخطر لم ينته
تعليق الآمال على انفراج محتمل في مضيق هرمز مفهوم، لكنه لا يكفي لبناء توقعات مطمئنة. فالتقارير الدولية تشير إلى أن استعادة التدفقات الطبيعية قد تحتاج وقتاً، وأن متوسط أسعار النفط المتوقع خلال 2026 ما يزال مرتفعاً مقارنة بالتقديرات السابقة للأزمة.
بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر بمتابعة سعر البرميل فقط، وإنما بمتابعة أثره على النقل والكهرباء والمواد الأساسية والميزانية العامة. وبين تراجع مؤقت في الأسواق وواقع يومي يعيشه المواطن، يبقى شبح الغلاء قائماً إلى أن تظهر انعكاسات ملموسة على الأسعار داخل البلاد.
المصادر: وكالة رويترز، والمندوبية السامية للتخطيط.








تعليقات
0