منتخبون دخلوا المجالس محدودي الحال وخرجوا أثرياء.. من أين لكم هذا؟

Media الجمعة 29 مايو 2026 - 22:50 l عدد الزيارات : 109518

مفارقة ظلت تثير الاستغراب، من دون أن تحظى بما تستحقه من الاهتمام: كيف لمنتخب التحق بالمجلس الجماعي محدود الإمكانيات، أو بالكاد يدبر مصاريفه الشهرية، أن يتحول، خلال ولاية أو ولايتين، إلى رجل أعمال أو منعش عقاري أو واحد من أثرياء المدينة الجدد؟

لا يتعلق الأمر بتجريم النجاح أو التشكيك في كل منتخب حسنت أوضاعه المادية بوسائل مشروعة. فلكل مواطن الحق في الاستثمار وتنمية ممتلكاته. لكن السؤال يصبح مشروعاً حين يتزامن الثراء السريع مع تدبير الشأن المحلي، والاقتراب من الصفقات العمومية والتراخيص والتجزئات والعقار والتعمير.

لنضع الأرقام الرسمية أمامنا. يتقاضى عمدة المدينة الخاضعة لنظام المقاطعات تعويضاً صافياً شهرياً عن التمثيل قدره 30 ألف درهم. ويتقاضى كل نائب من نوابه 10 آلاف درهم. أما رئيس مجلس المقاطعة، فيحصل على 6 آلاف درهم شهرياً، بينما يتقاضى نوابه 3 آلاف درهم. كما يستفيد كتاب المجالس ورؤساء اللجان الدائمة ونوابهم من تعويضات يحددها القانون، إلى جانب تعويضات مرتبطة بالتنقل والمهام.

هذه المبالغ توفر دخلاً محترماً، لكنها لا تفسر وحدها انتقال بعض المنتخبين، في سنوات قليلة، من ضيق الحال إلى امتلاك العقارات والمشاريع والمصالح المتعددة. ثلاثون ألف درهم في الشهر قد تمنح صاحبها استقراراً مالياً، لكنها لا تكفي، في حد ذاتها، لبناء ثروات عقارية وتجارية تظهر فجأة وتكبر بسرعة لافتة.

هنا يفرض السؤال نفسه بوضوح: من أين جاءت هذه الأموال؟

ومن حق المواطنين أن يسألوا عن سر تحول بعض المنتخبين إلى ملاك للعقارات أو أصحاب مشاريع بعد دخولهم المجالس. ومن حقهم أيضاً أن يتساءلوا عن سبب مرابطة بعض الأعضاء بمقرات الجماعات والمقاطعات، وكأن الإدارة أصبحت امتداداً لنفوذهم الخاص، لا فضاءً عاماً يفترض أن يخدم المواطنين على قدم المساواة.

لا يكفي أن يقال إن المنتخب يتقاضى تعويضاً قانونياً، أو إن له نشاطاً خاصاً. المطلوب هو الشفافية. ومن تضخمت ثروته خلال فترة تحمله المسؤولية العمومية، عليه أن يكون قادراً على إثبات مصدرها، ومسار تكوينها، وشرعية معاملاته.

فالسياسة، في أصلها، خدمة للمواطنين، وليست طريقاً مختصراً إلى الثراء. وحين يغادر منتخب مجلساً جماعياً بثروة لم تكن مقدماتها ظاهرة عند دخوله، يصبح من المشروع أن يواجه بالسؤال الذي يتردد على ألسنة الناس: من أين لك هذا؟

إن جزءاً من الأعطاب التي تعرفها بعض الجماعات يرتبط بعقلية تعتبر المجلس مجالاً للنفوذ وتبادل المصالح، لا مؤسسة لتدبير الشأن العام. وحين تغيب الرقابة الجدية، قد تتحول الصفقات إلى مجال للشبهات، والأوراش إلى فضاء للغش، والتراخيص إلى امتيازات، وقرارات التعمير إلى فرصة للإثراء على حساب المدينة وسكانها.

هؤلاء هم «وليدات الحاجة كرمومة» الذين يعرفون مسالك الإدارة، وأبواب التوقيع، ومفاتيح التأثير. يعرفون كيف يمر ملف بسرعة، وكيف يتعطل آخر، وكيف تتحول الخدمة العمومية، في بعض الحالات، إلى امتياز لمن يملك العلاقة أو الحماية.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بهؤلاء وحدهم، بل بمن يوفر لهم الغطاء. فمن يحمي منتخباً تحوم حوله الشبهات؟ ومن يجعله مطمئناً إلى أن التقارير الصحفية، وشكايات المواطنين، وملاحظات هيئات الرقابة، لن تقوده إلى المساءلة؟

لا معنى للاحتفال السنوي بمحاربة الفساد، ولا جدوى من الحملات والشعارات، إذا ظل الإثراء غير المبرر يمر أمام أعين الجميع من دون تحقيق أو افتحاص أو محاسبة. ولا معنى للحديث عن الحكامة، إذا بقيت التصريحات بالممتلكات إجراءً شكلياً لا يفضي إلى مقارنة حقيقية بين ما كان يملكه المسؤول قبل تولي المنصب وما أصبح يملكه بعده.

الفساد في بعض الجماعات لا يعيش منفرداً. إنه يستند إلى شبكة من المصالح والعلاقات والحمايات والصمت المتبادل. لذلك يبدو متماسكاً، قادراً على مقاومة الفضائح والتقارير والاحتجاجات، بل وقادراً على إعادة إنتاج نفسه في كل استحقاق انتخابي.

إن تخليق الممارسة الجماعية لا يحتاج إلى مزيد من الخطب. يحتاج إلى رقابة فعلية، وإلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإلى حماية المال العام من كل استغلال. كما يحتاج إلى تدقيق منتظم في ثروات المنتخبين والمسؤولين قبل تحمل المسؤولية وبعدها، وإلى تفعيل جدي لمبدأ: «من أين لك هذا؟».

وحين يصبح هذا السؤال مدخلاً حقيقياً للمحاسبة، قد نكتشف أن كثيرين ممن يتسابقون اليوم نحو كراسي المجالس، سيفقدون فجأة رغبتهم في خدمة المواطنين.

ومن يدري؟

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image