نمو الاقتصاد المغربي في 2026.. أرقام مشجعة وسؤال الأثر الاجتماعي

houari السبت 30 مايو 2026 - 19:18 l عدد الزيارات : 43657

تطرح أرقام النمو الاقتصادي بالمغرب، خلال بداية سنة 2026، سؤالاً مركزياً يتجاوز لغة المؤشرات والنسب: هل يعكس هذا التحسن تحسناً فعلياً في معيش الأسر المغربية، أم أن الفارق ما يزال واسعاً بين نمو الناتج الداخلي الخام وقدرة المواطنين على مواجهة تكاليف الحياة اليومية؟

فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، يرجح أن يكون الاقتصاد الوطني قد سجل نمواً في حدود 5 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، مقابل 4,1 في المائة خلال الفصل السابق. ويعد هذا التطور مؤشراً إيجابياً من حيث دينامية النشاط الاقتصادي، خاصة في ظل تحسن الموسم الفلاحي نسبياً، واستمرار مساهمة الطلب الداخلي، وصمود عدد من فروع الخدمات.

غير أن قراءة هذا الرقم تحتاج إلى قدر من الحذر. فالنمو، في صيغته المحاسباتية، لا يعني بالضرورة تحسناً مباشراً في الدخل الفردي، ولا يضمن تلقائياً خلق فرص شغل كافية، كما لا يترجم دائماً إلى انخفاض ملموس في الأسعار. لذلك، يظل السؤال الاجتماعي مطروحاً بقوة: من يستفيد فعلاً من هذا النمو؟

وتكشف وضعية سوق الشغل أن جزءاً مهماً من التحدي ما يزال قائماً. فقد أظهرت معطيات الفصل الأول من سنة 2026 أن البطالة بالمفهوم الضيق بلغت 10,8 في المائة، مع وجود أكثر من مليون و250 ألف عاطل، إضافة إلى مئات الآلاف من الأشخاص في وضعية شغل ناقص مرتبط بساعات العمل. وهي أرقام تؤكد أن الاقتصاد يتحرك، لكنه لم يبلغ بعد مستوى كافياً من القدرة على إدماج اليد العاملة، خاصة في صفوف الشباب والنساء وسكان المدن.

كما أن تحسن النمو لا يلغي ضغط الأسعار على الأسر. فحتى حين تتراجع وتيرة التضخم العام، تبقى القدرة الشرائية متأثرة بتراكمات السنوات السابقة، وبكلفة السكن والنقل والغذاء والخدمات الأساسية. فالمواطن لا يقيس النمو بنسبة مئوية منشورة في تقرير رسمي، بل يقيسه بما تبقى له من أجره في نهاية الشهر، وبقدرته على الادخار، والعلاج، وتعليم أبنائه، ومواجهة المصاريف الطارئة.

وتبرز هنا مفارقة الاقتصاد المغربي: هناك قطاعات تتحسن، واستثمارات تتحرك، ومؤشرات ماكرو اقتصادية تبدو أكثر توازناً، لكن الأثر الاجتماعي لا يظهر بالسرعة نفسها. فالاقتصاد الذي ينمو دون خلق مناصب شغل كافية، أو دون توسيع قاعدة الطبقة الوسطى، يظل نمواً محدود الأثر في الوعي اليومي للمواطنين.

كما أن الاعتماد الجزئي على الفلاحة يجعل النمو عرضة لتقلبات المناخ. فكل موسم مطير يمنح الاقتصاد دفعة، وكل سنة جفاف تعيد هشاشة البنية الإنتاجية إلى الواجهة. وهذا يعني أن رهان المغرب لا ينبغي أن يقف عند تسجيل نسب نمو إيجابية، بل يجب أن يتجه نحو بناء نمو أكثر استقراراً، وأكثر ارتباطاً بالصناعة المنتجة، والخدمات ذات القيمة المضافة، والمقاولات القادرة على خلق الشغل اللائق.

ومن زاوية اجتماعية، لا يكفي أن ترتفع المؤشرات إذا لم يشعر المواطن بتحسن في دخله الحقيقي. فالمطلوب اليوم هو تحويل النمو إلى أثر ملموس: فرص شغل مستقرة، أجور قادرة على مواكبة الأسعار، حماية اجتماعية فعالة، وعدالة مجالية تقلص الفوارق بين المدن والقرى، وبين الجهات المركزية والمناطق الهشة.

إن الرقم المعلن عن النمو يبعث على بعض التفاؤل، لكنه لا يسمح بالاطمئنان الكامل. فالاقتصاد المغربي أمام امتحان أكبر من تحقيق نسبة جيدة في فصل واحد. الامتحان الحقيقي هو تحويل هذه الدينامية إلى تحسين فعلي في مستوى العيش، وإلى ثقة اقتصادية يشعر بها المواطن في السوق، وفي العمل، وفي البيت.

وبين لغة الأرقام ولغة المعيش اليومي، تبقى الخلاصة واضحة: النمو مهم، لكنه لا يصبح إنجازاً اجتماعياً إلا عندما يصل أثره إلى جيوب المغاربة، ويخفف ضغط الأسعار، ويفتح أبواب الشغل، ويمنح الأسر شعوراً حقيقياً بالأمان الاقتصادي.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image