جمال العشيري
إن حدثَ وسألتَ شاباً مغربياً في العشرين أو الثلاثين من عمره عن رأيه في السياسة، لحصلتَ على واحد من جوابين لا ثالث لهما: إما ضحكة ساخرة مشفوعة بهزّ الكتف، وإما خطاب غاضب متشعب يمتد من البطالة إلى السكن إلى الرياضة إلى الفساد، لكنه ينتهي دائماً بالجملة ذاتها: “والله ما كاين لي يسمع.” هذان الجوابان ليسا تعبيراً عن لامبالاة، بل هما في جوهرهما وجهان لعملة واحدة — خيبة أمل تراكمت حتى تحجّرت ، فهل انسحب الشباب من السياسة لأنه لا يفهمها، أم انه خلُص إلى أنها لا تفهمه !؟
ثمة مفارقة صارخة يعيشها هذا الجيل كل يوم ، في الوقت الذي يعتبر فيه من أكثر الفئات توليداً للمحتوى الرقمي وتعليقاً على الأحداث ونقداً للسياسات ، لكنه في الآن ذاته يظل من أقل الفئات حضوراً داخل المؤسسات المنتخبة والهيئات الاستشارية والجمعيات المحلية. يصرخ بصوت عالٍ على “فايسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك”، لكن الغرف التي تُتخذ فيها القرارات تبقى شبه خالية من صوته ورأيه وهذا التناقض ليس مصادفة ولا قصوراً فردياً ، وإن أردنا معرفة المحرك الاساس الذي يساهم في تكريس الوضع وضمان استمراريته، فلا بد من الإقرار أن وراء هذا العزوف ثلاثة جدران بنيوية يعيشها الشباب في واقعه قبل أن يعيشها في وعيه.
الجدار الأول اقتصادي بامتياز، كيف يُطلب من شاب أن يناضل من أجل حقوق المدينة وهو ينام في بيت مكترى لا يكفيه راتبه الهزيل لتسديد إيجاره؟ بالإضافة إلى هموم يومية لا تنتهي ” امتحانات الباكالوريا، البطالة، الاستقرار ، الهجرة ” ، وبتواطؤ مكشوف بين كل ما سبق من هموم ، يتشكل السد المنيع الذي يحول بين الشباب وأي استعداد لتكريس جزء من اهتمامهم للمساهمة ميدانيا في الشأن العام. ليس لأنهم لا يهتمون، بل لأن هرم ماسلو لا يرحم.
أما الجدار الثاني فاجتماعي طابعه، إذ تلاحق وصمة غريبة كل شاب ينخرط في العمل السياسي أو الجمعوي؛ تسمع في المجالس: “هذا خادم لفلان “، ” السياسة غير وسخ “. هذا المناخ السام يُخوّف الطموح النبيل ويتركه على الهامش بعد اغتياله معنويا . وفوق هذين يقوم الجدار الثالث، السياسي في صميمه، حيث تراكمت خيبات الأمل حتى صارت الخيبة ذاكرة جماعية راسخة: جيل رأى وعوداً انتخابية تتبخر بعد الفوز، ورأى أحزاباً تتنافس على المقاعد لا على البرامج. فما الذي قد يحفّز الشاب إذاً ليتسجل في اللوائح الانتخابية إن كانت لا تغيّر شيئاً حسب رأيه؟
لكن المفاجأة التي قد يغفل عنها كثيرون ، تتمثل في أن هذا العزوف عن الفعل المؤسسي ليس غياباً عن التفكير في الشأن العام بالضرورة .
فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الشباب فضاءً للتعبير بلا بوابات، وأتاحت له مقارنة واقعه بواقع أقرانه في العالم، وكسرت احتكار الإعلام الرسمي للرواية. لم يكن الشباب المغربي قط أكثر وعياً سياسياً مما هو عليه اليوم ، غير أن المنصات الرقمية في ذاتها لا تُنتج مشاركة سياسية حقيقية ، فالغضب الرقمي يتبخر سريعاً، والهاشتاغ لا يُنتج قانوناً، والتعليق الساخر على برلماني لا يُغيّر قراره في التصويت لصالح قانون او ضده في المؤسسة التشريعية . بل الأدهى من ذلك والأمر، يتمثل في كيف تُسهم هذه المنصات في تفريغ طاقة الفعل والممارسة الميدانية عبر إتاحة وهم الفاعلية الافتراضية فتشعر الشباب على انهم قد عبرو عن رأيهم وقالو كلمتهم، فتهدأ النفوس دون أن يتغير شيء. وهكذا يصبح الشاب ذكياً جداً في النقد، متخلفا جداً عن الفعل.
فيما تتجلى المأساة الحقيقية ليس في صمت الشباب وحده، بل فيما يجري في غيابه ، لا سيما وان وسائل التواصل الاجتماعي أعطت الشباب صوتاً ضخماً لكن في الفراغ، والفراغ لا يقرر ولا يُشرّع ، والمؤسسات لا تنتظر ، والمجالس الجماعية تُدير المدن، والبرلمانيون يُصوّتون على قوانين التشغيل والتعليم والصحة، والجهات تُخطط لمشاريع الشباب ، وكل ذلك يحدث في غياب الشباب أنفسهم. تُصاغ سياسات تشغيل بعيداً عن فهم احتياجات سوق الشغل الفعلية، وتُصمَّم مشاريع شبابية من فوق بدل أن تُبنى من الشباب، وتواصل الكفاءات الشابة هجرتها إلى الخارج دون مقاومة مؤسسية تُذكر ،وحين لا يكون الشباب في الغرف التي تُصنع فيها القرارات، يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بما يُصنع له، وإما الرفض بلا أدوات تغيير حقيقية ، وبين هذين القطبين تتسع هوّة الإحباط وتتعمق أزمة الثقة.
وفي الختام اجدني مضطر إلى طرح ثلاثة اسئلة دون مساحيق تجميل ولا لغة خشب :
للشباب ، ماذا لو قلبنا المرآة إن كنتَ تنتقد الوضع السياسي بذكاء على وسائل التواصل الاجتماعي وتحصد الإعجابات بغزارة ، لكنك لم تُسجّل مرة واحدة في اللوائح الانتخابية ولم تحضر اجتماعاً جمعوياً في حيّك ، فمن أعطاك الحق الأخلاقي في المطالبة بالتغيير؟ وبعبارة أوضح : هل أنت شاهد على الخراب أم شريك في إنتاجه بصمتك؟
للهيئات الحزبية، حين تفشل سياسة التشغيل وترتفع أرقام هجرة الأدمغة وتنهار الطبقة الوسطى الشابة ، وأنتم في قلب المنظومة التشريعية والتنفيذية منذ عقود ، فعلى أي أساس تطلبون من الشباب أن يمنحكم ثقته من جديد؟ وهل المطلوب من هذا الشباب أن يُصدّق وعوداً جديدة بأقلام من كتبوا الوعود القديمة ثم نسوها بعد يوم الاقتراع؟
للقارئ، بعد كل ما قرأتَه عن هذه الهوّة بين الشباب والمؤسسات، هل تعتقد فعلاً أن الحل يكمن في إقناع الشباب بالانخراط في منظومة لم تثبت أنها تستحق ثقتهم، أم أن السؤال هو: من يُصلح المنظومة أولاً غير الشباب الطامح للتغيير حتى تصبح المنظومة مستوعبة لطموحهم وانتظاراتهم ؟








تعليقات
0