في كل موسم رمضاني، يتكرر المشهد نفسه تقريباً: اجتماع رسمي موسّع، حضور وزاري وازن، بلاغ مطوّل، ورسائل تطمين حول وفرة المواد واستقرار الأسعار. هذا ما خرج به، مجدداً، اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة لليقظة وتتبع تموين الأسواق والأسعار، المنعقد اليوم الخميس بمقر وزارة الداخلية، استعداداً لشهر رمضان المقبل.
الاجتماع، الذي حضره عدد كبير من الوزراء والمسؤولين المركزيين والترابيين، أعاد التأكيد على العناوين المألوفة: حماية القدرة الشرائية، ضمان وفرة المواد الأساسية، تشديد المراقبة، والتصدي للمضاربة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، مع اقتراب شهر يعرف تاريخياً ضغطاً متزايداً على الأسعار، هو مدى انتقال هذه الالتزامات من لغة البلاغات إلى واقع الأسواق.
بلاغ وزارة الداخلية تحدث عن “وضعية عادية” لتموين الأسواق، وعن مخزونات كافية وإنتاج مرتقب قادر على تلبية حاجيات الاستهلاك خلال رمضان وما بعده. وهي خلاصات اعتاد الرأي العام سماعها في مثل هذه المناسبات، رغم أن التجربة اليومية للمواطنين، في عدد من المدن والأسواق، كثيراً ما تعكس مساراً مختلفاً، عنوانه ارتفاع الأسعار وتفاوتها بين منطقة وأخرى، وصعوبة ضبط مسالك التوزيع.
الاجتماع استحضر أيضاً الأثر الإيجابي للتساقطات المطرية الأخيرة، وما يرتقب أن تتيحه من تحسن في الإنتاج الفلاحي والحيواني، إضافة إلى استئناف صيد الأسماك السطحية الصغيرة بعد فترة الراحة البيولوجية. معطيات موضوعية في ظاهرها، لكنها تظل رهينة بسلسلة طويلة من الوسطاء، وبقدرة أجهزة المراقبة على منع تسرب الاختلالات من الحقول والموانئ إلى جيوب المستهلكين.
ورغم “المؤشرات المطمئنة” التي تحدث عنها البلاغ، فقد شدد الاجتماع نفسه على ضرورة استمرار اليقظة والتعبئة وتكثيف المراقبة، وهو ما يكشف، ضمناً، إدراك السلطات لهشاشة التوازن القائم في الأسواق، وسهولة انزلاقه مع أول موجة مضاربة أو احتكار. فالتأكيد المتكرر على الصرامة وتفعيل المساطر الزجرية يعكس أن الإشكال لا يكمن في نقص النصوص، بل في فعالية التنفيذ واستمراريته.
التعليمات الموجهة للولاة والعمال، والدعوة إلى تعزيز التنسيق وتفعيل أرقام الشكايات، ليست جديدة بدورها. الجديد الذي ينتظره المواطنون، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الشرائية، هو أن تترجم هذه الإجراءات إلى انخفاض ملموس في الأسعار، أو على الأقل إلى كبح جماح الزيادات غير المبررة التي تتكرر كل سنة باسم “الإقبال الرمضاني”.
بين البلاغ الرسمي وواقع الأسواق، تبقى فجوة تحتاج إلى أكثر من اجتماعات موسمية لسدها. فجوة عنوانها الحوكمة الفعلية لسلاسل التوزيع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل حماية المستهلك ممارسة يومية لا شعاراً ظرفياً. ومع اقتراب رمضان، يبقى الامتحان الحقيقي هو ما ستقوله الأثمان في الأسواق، لا ما تقوله البلاغات في القاعات المغلقة.








تعليقات
0