حين تعلن المندوبية السامية للتخطيط عن ارتفاع مؤشر الثقة لدى الأسر إلى 57,6 نقطة خلال الفصل الرابع من سنة 2025، قد يبدو الأمر خبراً إيجابياً. غير أن القراءة المتأنية لبنية هذا المؤشر تطرح سؤالاً مشروعاً: عن أي ثقة نتحدث، وفي أي واقع اجتماعي تتحقق؟
فالتحسن المسجل لا يستند إلى تغير ملموس في شروط العيش. فالأسر نفسها التي عبّرت عن تحسن في “الثقة” ما تزال تقيّم وضعها المعيشي الحالي بسلبية واضحة. وهذا التناقض يكشف خللاً بين المؤشر المركب وتجربة العيش اليومية.
الأرقام الواردة في البحث لا تترك مجالاً كبيراً للتأويل. مستوى المعيشة خلال السنة الماضية لم يتحسن في نظر الأسر، والقدرة على الادخار ما تزال ضعيفة، بل مرشحة لمزيد من التآكل. وإذا كانت الثقة تعني الاطمئنان إلى الحاضر والاستعداد للمستقبل، فإن هذه المعطيات تفرغ المؤشر من مضمونه الاجتماعي.
الأخطر أن هذا “التحسن” يبدو أقرب إلى إعادة ضبط للتوقعات نحو الأسفل. فبعد سنوات من الصدمات الاقتصادية، يصبح مجرد غياب التدهور سبباً للإحساس بالتحسن. هنا لا نكون أمام تعافٍ، بل أمام تكيّف قسري مع وضع صعب.
على مستوى سوق الشغل، ورغم تراجع حدة القلق بخصوص المستقبل، فإن تقييم الأسر للسنة الماضية يؤكد استمرار الإحساس بارتفاع البطالة. وهو ما يعني أن سوق الشغل لم يقدم بعد إشارات قوية على الانفراج.
أما الأسعار، فإن الإحساس بغلاء المعيشة ما يزال حاضراً بقوة. ورغم الحديث عن تراجع التضخم، فإن الأسر لا تتعامل مع المؤشرات الماكرو-اقتصادية، بل مع فواتير يومية وأسعار مواد أساسية لم تفقد ثقلها على الميزانيات الأسرية.
هنا تبرز حدود مؤشر الثقة بوصفه أداة قياس. فهو يقيس المزاج العام أكثر مما يقيس العدالة الاجتماعية أو القدرة الشرائية. قد يتحسن المزاج مؤقتاً، لكن الواقع سرعان ما يعيده إلى نقطة الصفر إن لم يتغير جوهرياً.
ولهذا، فإن قراءة المؤشر خارج سياقه الاجتماعي قد تقود إلى استنتاجات مضللة، أو إلى تبرير سياسات لم تُنتج بعد أثراً ملموساً في حياة الناس.
ارتفاع مؤشر الثقة لا يمكن اعتباره دليلاً على تحسن الأوضاع الاجتماعية، ولا شهادة نجاح للسياسات العمومية. إنه، في أفضل الأحوال، إشارة نفسية هشة، قابلة للتآكل السريع إذا استمر الضغط على القدرة الشرائية والادخار والتشغيل.
الثقة لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بما يشعر به الناس في بيوتهم، وفي أفق أبنائهم المهني، وفي قدرتهم على مواجهة الغد بأقل قدر من القلق. وما دامت هذه الشروط غير متوفرة، فإن أي حديث عن تحسن الثقة يظل منقوصاً، وربما مضللاً.








تعليقات
0