روايات نَجِيب مَحْفُوظ في عيون نقّاد ناطقين بالإسبانية

ittihadpress الخميس 6 فبراير 2025 - 19:12 l عدد الزيارات : 128524

د. محمّد محمّد خطّابي

ما فتئت روايات نجيب محفوظ المُترجَمة إلى اللغة الإسبانية تحظى باهتمام بالغ، ومتابعات حثيثة من طرف العالَم الناطق بهذه اللغة، وما انفكت أعماله تحتلّ يوماً بعد يومٍ مكانة مرموقة في الأوساط الأدبية سواء في إسبانيا أو في مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية على وجه الخصوص .

 نماذج بشريّة تحت المِجْهر

يرى الناقد الاسبانيمانويل بيامورأنّ روايةزقاق المدقّ “( التي تُرجمت إلى العديد من اللغات الحيّة العالمية بما فيها اللغة الاسبانية) ” أنّ أوّل ما يلاحظه قارئ هذه الرّواية هو تعدّد وكثافة شخصّياتها التي تفرض نفسها عليه، والتي تبدو وكأنّها تطلّ بهامتها من بين سطور الرّواية . وتصبح فيما بعد وكأنّها قضايا حقيقية قائمة بحيث توحى لك الرّواية أنّ ما تقرأه هو أحداث واقعية يرويها لك راوٍ مُتجوّل تفاعل، وعايشَ، ولامسَ بالفعل ملابسات وظروف جميع أفراد شخصيات الرّواية.

يؤكّد نفس الناقد أيضاًأنّ مردّ ذلك يؤول فى المقام الأوّل إلى المقدرة السرديّة الهائلة التى يتميّز بها نجيب محفوظ ، ذلك أنّ الحكايات والطرائف اليومية العادية والمتواترة عنده تتحوّل الى مادة أدبية ثريّة آسرة، فأقلّ الأحداث وأبسطها تعالَج في هذه الرواية بعمق تحليلي يثير فضول وتساؤل القارئ حيث يغدو ما يقرأه بالتالي تحليلات ذكية لنماذج بشرية يمكن أن توجد في أيّ بقعة من بقاع العالم .

وهكذا يتحوّل القلم في يد الرّوائي إلى مِجهر دقيق تزداد الصّور والمرئيّات تحته أمام أنظارنا كِبراً واتساعا حيث يُجسِّد لنا بهونُجسِّد بالتالي نحن معهذلك العالمَ الهائلَ المتنوّعَ الذي لا يتوقّف عن الغليان، ولا يهدأ أوارُه، والغارق في طيّات الزّمن وثناياه، وفى مجاهل المكان، هذا المكان ليس من الضرورة أن يكون زقاقاً من أزقّة القاهرة، بل يمكن أن يكون كذلك أيّ زقاقٍ من أزقّة العالم وقد اجتمع فيه: الحبّ ،والكراهية والكسل، والصّبر، والفُضول، والطموح، والإخفاق، والرّغبة، والجشع، والطمع، والخِداع، والسّوقيّة، والعَجرفة، والابتذال، والتواضع، والتسكّع، والهجرانإلخ كل هذه النعوت والأوصاف، والطبائع والصّفات التي هي عناصر لها وجود في كل مكان نجدها في هذه الرّواية مجسّدة في أناس يبدون وكأنهّم موجودون فعلاً ، والذين يمثّلون شرائحَ اجتماعية سُفلىَ في قاع المدينة في وسط معيّن مثل بائعة الخبز،(العيش البلدي)،والزّوج صاحب المقهى، والحلاّق ، وبائع الحلويات السّمين والغليظ الجسم ..الخ.

إنّ المقدرة الفريدة للمبدع عندما تكون ذات أصالة فإنّه لا ينتقي بها أو من خلالها بالضرورة المواضيع الكبرى، بل إنهّ لا يلجأ إلى اقتناص الشخصيات المهمّة لكي يعكس لنا حقيقة العالم، بل إنّه يكتفى بزقاق ضيّق ضائعٍ بين دروب، وأحياء جانبية، وبين دهاليز أرباض مُهمّشة لمدينة مّا، ليقدّم لنا تحليلاً دقيقاً ضافياً، ووصفاً معمّقاً ومفصّلاً لنماذج بشرية ذات سِمات،أو صِفات مشتركة في مجتمعٍ يمكن أن يحدث فيه أيّ شئ، ويمكن أن يُنتظر منه أيّ شيء. في هذه الرّقعة الضيّقة والمحدودة نجد هذه الشخصيات التي تجذبنا إليها بقوّة بواسطة أحداث تبدو للوهلة الأولى وكأنّها ليست ذات معنى، ولكنّها سرعان ما تتوالى ، وتترى، وتتصاعد في سياق الحكيّ، وأحداث الرّواية باستمرار، وكلما حاولت شخصية مّا ترسيخ خاصّية البطولة فيها لا تلبث أن تحلّ محلّها شخصيّة أخرى بفضل الموهبة الأصيلة التى تطبع ، وتميّز كتابات نجيب محفوظ .

 الأدَب العربي والأدب الاسبانيّ سيّان

ويضيف الكاتب الإسباني بيامورالآنف الذّكرإنّ قارئ روايةزقاق المدقّوسائر أعمال نجيب محفوظ: “يشعر وكأنّه أمام نوع من الأدب الجديد، خاصّة بعد أن طفق جيلنا يتخلّص رويداً رويداً من رواسب، وبقايا، وآثار، ومخلّفات حكايات مُجترّة، وموروثة شفوياً تدور حول كلّ ما هو خيالي وهمى، وحقيقي واقعي، وأسطوري خرافي، هذه الحكايات المتوارثة والمُعنعنة، إستحوذت على باطن الذاكرة الشعبية لمدّة قرون .إنّ هذا النوّع من الأدب يخلق فينا متعة أدبية رائعة لا تقودنا أو تفضي بنا إلى كتابة رواية بليغة ليس لها وجود سابق في اللغة وحسب، وإنّما هي أنشئت إنشاءً مثلما هو عليه الشّأن في الرّواية التي نحن بصددها .

إنّ أحداثاً من هذا القبيل ،مثل حدث طبيب الأسنان وشريكه وهما يُضبطان متلبّسيْن بسرقة طاقم الأسنان لأحد الموتى حديثاً،إلى جانب أحداث أخرى في الرواية تبدو لنا وكأنّها قد انتزعت انتزاعا من أعمالأرْثِيبِريستي دِى هِيتَا ” (**) أو من إحدى الرّوايات الصعلوكية الاسبانية القديمة.

ولا يساور هذا الناقد أدنى ريب في أنّ : ”هذا الصّنف من الأدب العربى لهو أقربُ من الغرب وبشكل خاص من بلده إسبانيا، أكثر من أيّ بلد آخر، الشّيء الذى يبيّن بوضوح مدى تأثيره البليغ فينا، هذا التأثير الذى يكاد أن يصبح نسيّاً مَنسيّاً في معظمه، إلاّ أنه في الواقع ما زال يقبع في أعماق آدابنا الإسبانية سواء في شبه الجزيرة الإيبيرية أو في مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية ،إنّ كلّ ما هو عربي بالخصوص له سمات، وأمارات، وعلامات، وخصائص جدّ متشابهة، ومتقاربة مع كلّ ما هو إسباني ابتداء من القرون الوسطى ثم في عصر النهضة “.

ويستمرّ الناقد الإسباني في تأكيده لهذا الاتجاه مشيراً إلى أنّ هناك مظاهر مشتركة بيننا لا يمكن أن تقدّمها لنا آداب شرقية أخرى مثل الآداب الصينية أو الهندية ، أو اليابانية ، حيث لا علاقة، ولا صلة لها ببلداننا . وهذا أمر غريب ومثير وغير مفهوم بالنسبة لبعض لقرّاء الغربيّين، إنّ هناك نزعات إنسانية أساسية بإمكان المرء أن يقتل من أجلها، وهي فوق كلّ إعتبار، هذه النزعات أو الأهواء هي مدفوعة بشكلٍ تلقائي فطري، وهي تبيّن لنا مدى عمق وأبعاد ثقافة تلك الشخصيات المتمثّلة والمتأصّلة بالخصوص في شخصيات هذه الرّواية مثل عبّاس ، والحلاّق ، وحميدة، وفي شخصيات روايات نجيب محفوظ الأخرى.

 قمّة إبداعات نجيب محفوظ

وعلى غرار الناقد الإسباني الآنف الذكر، ترى الكاتبة المكسيكيةنَعِيمَه أتَامُورُوسْمن جهتها :”أنّ نجيب محفوظ يُعتبر من كبار الكتاّب في مصر والعالم العربي، وهو ما زال يحظى حتّى الآن باهتمامات الأوساط الأدبية في المكسيك وفي مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية الأخرى على الرّغم من حصوله على جائزةنوبلفي الآداب عام 1988 ، ومن رحيله عام 2006. وتضيف الكاتبة: “ولقد تعرّفنا بواسطة كتاباته على كثير من العادات، والتقاليد، والأعراف، والعوائد العربية ، بل إنّه نقل لنا صوراً حيّة عن ذلك الشقّ النّائي من العالم “.

وتشير الكاتبة في نفس السياق : أنّ روايتهالسكّريةوهي آخر الثلاثيةبين القصرينوقصر الشوقاعتبرت قمّة إبداعاته الأدبية التي تمّ نقلها إلى اللغة الاسبانية ليس في بلدها المكسيك وحسب، بل في معظم بلدان أمريكا اللاتينية، وفى فضاء العالم الناطق باللغة الإسبانية. وتقول الكاتبة:” إنّالسكريّةالتي نُشرت في القاهرة أوّل مرّة عام 1957 وهي تعالج الجيل الثالث لأسرة عبد الجواد ، نجد فيها الكثير من المظاهر السياسية، والاجتماعية في مصر في الفترة المتراوحة بين 1935 -1944.وتضيف الكاتبة: إنّ صورة عبد الجواد وأسرته في هذه الرواية هي انعكاس واضح، وتصوير دقيق للعديد من الأسر المصرية التي عاشت في ذلك الوقت.

ويرى الكاتب المكسيكيألبرتُو روي سانشيسمن جهة أخرى: “أنّ أدب نجيب محفوظ يتعمّق فى إستكناه، واستبطان، واستغوار الكائن البشري، ويحلّله تحليلاً دقيقاً أبعد ممّا يمكن أن يقوم به أيُّ أخصّائيٍّ فى علميْ النّفس أوفى علم الإجتماع أو أيّ مؤرّخ متخصّص. إنّ ما كتبه نجيب محفوظ عن مدينة القاهرة يبدو وكأنّه كُتب عن مدينة مكسيكو سيتي، أوعن أيّ مدينة كبرى أخرى من بلدان العالم، . ويضيف نفس الكاتب: “إنّنا واجدون في أعماله البحث الدائم، والهوس المُستمر عن الهويّة المصريّة بواسطة وصفه الدقيق لمجريات الحياة اليومية فى القاهرة ،كما أنه يتميّز فى هذه الأعمال بدعوته الملحّة إلى التسامح الديني، والمعايشة السلمية بين كلّ الناس من مختلف الإثنيات، والمِمل، والنِّحل، والأجناس، مثلما هو عليه الشأن فى روايتهأولاد حارتناممّا عرّضه فى العديد من المرّات إلى تهديده بالموت “.

 محفوظ فى السينما الناطقة بلغة سيرفانتيس

وبالإضافة إلى العناية الفائقة التي خصّت بها السينما المصرية أعمال الكاتب نجيب محفوظ في موطنه مصر حيث أخرجت العديد من الأفلام السينمائية إنطلاقاً من نصوص رواياته، وقصصه على اختلافها، فقد نُقلت كذلك بعض أعماله الرّوائية إلى السّينما خارج بلاده خاصّة فى العالم الناطق باللغة الإسبانية، وعلى وجه التحديد في المكسيك، وهكذا نقل المُخرج المكسيكيخُورْخيِ فُونْسْعام 1994 روايتهزقاق المدقّإلى الشّاشة العملاقة للفنّ السابع بعد إجراء تغيير طفيف على عنوان الفيلم باللغة الإسبانية حيث أصبح : “زقاق المعجزاتبدلزقاق المدقّوذلك حسب الترجمة التي وُضعت لعنوان هذه الرواية في اللغة الإسبانية عند ترجمتها.

وقد جعل المخرج أحداث الرّواية تتماشى، وتتأقلم مع الوسط الشعبي المكسيكي، وحصل هذا الفيلم على جائزةغوياالسينمائية الإسبانية، وهي أعلى وأرقى تكريم يُمنح فى عالم صناعة السّينما فى هذا البلد. كما نقل المخرج المكسيكي المُجنّس بالجنسية الإسبانية كذلك، وهو (من أصل يهودي) “أرتورو ريبستاينكذلك عام 1993 رواية نجيب محفوظبداية ونهايةإلى السينما أيضاً،وقد حققت هذه الأفلام المُقتبسة، أوالمُستخرجة، أو المستوحاة، من أعمال نجيب محفوظ نجاحات محمودة .

وتجدر الإشارة في هذا القبيل أنّه قد تُرجمت إلى اللغة الإسبانية ( في إسبانيا وأمريكا اللّاتينية) ما ينيف على ثلاثين رواية لنجيب محفوظ منها على سبيل المثال وليس الحصر: السّراب، وبداية ونهاية، وخان الخليلي ، وبين القصرين ، وقصر الشوق، واللصّ والكلاب، وأولاد حارتنا، وخمّارة القط الأسود، وزقاق المدقّ، وحبّ تحت المطر، والقاهرة الجديدة ،وليالي ألف ليلة وليلة، والسّماء السّابعة، ورحلة ابن فطّومة ، وحديث الصّباح والمساء، و المرايا، ومقهى الكرنك، وميرامار، وهَمس الجُنون ، وصباح الورد، وسواها من الرّوايات، والقصص والأعمال الإبداعية الأخرى في مختلف مجالات الحياة .

     (°) كاتب من المغرب، وسفير سابق في كلّ من كولومبيا، وبَانَاما، والإكواتور، وترينيداد وتوباغو، وسان كيتس ونببفييس، وغْرَاناد، عضو الأكاديمية الإسبانيةالأمريكية للآداب والعلوم بوغوطا (كولومبيا).

هوامش:

(*)- كاتب وباحث ومترجم من المغرب ، عضو الأكاديمية الإسبانيةالأمريكية للآداب والعلومبوغوطاكولومبيا.

(**)- خوان رويث المعروف بأرثيبريستي دي هيتا”. Juan Ruiz Arcipreste de Hitaكاتب إسباني من مواليدألكَلاَ دِي إينَارِيسْ” (قلعة النّهر) (1283-1350) القريبة من العاصمة الإسبانية مدريد، وهي نفس المدينة التي وُلد فيها الرّوائي الإسباني الذائع الصّيت ميغيل دي سيرفانتيس صاحبدُونْ كِيشُوتْ، إسمُه الحقيقيخْوَانْ رْوِيثْإلاّ أنّه إشتهر بإسم: ” أرثيبريستي دي هيتا”. يُعتبر مؤلَّفه الوحيد الذي يحمل عنوانكتاب الحبّ الطيّب” (El libro del buen amor ) من أهم، وأشهر الأعمال الأدبية التي كُتبت فى القرون الوسطى ليس فى إسبانيا وحسب، بل فى أوربّا كذلك .

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

احتفال لاعبي منتخبنا الوطني مع الجمهور بعد نهاية المباراة ❤️

السبت 27 يونيو 2026 - 22:35

وصول بعثة المنتخب المغربي إلى مونتيري المكسيكية استعدادا لمواجهة هولندا في الدور الـ32

السبت 27 يونيو 2026 - 22:13

 طاقم تحكيم مغربي بقيادة جلال جيد لإدارة مباراة ألمانيا وبارغواي

السبت 27 يونيو 2026 - 22:09

بريطانيا تفك لغز سفينة هولندية غرقت وهي محملة بآلاف الدنانير الذهبية المغربية من العهد السعدي

corner image