جلال كندالي 

أعلنت النقابات التعليمية الخمس الأكثر تمثيلية تشبثها بتعليم عمومي ذي جودة، محذرة من الانزلاق نحو الرداءة وتفريغ المؤسسات التعليمية من مضمونها التربوي، بسبب الطريقة التي يتم بها تنزيل مشروع مدارس الريادة من طرف وزارة التربية الوطنية.
وأكدت النقابات، في بلاغ مشترك، أنها تتابع بقلق بالغ واستياء عميق مستجدات المشروع، معتبرة أن الوزارة تعتمد مقاربة أحادية وممركزة تقوم على منطق التجريب التقني والتدبير الرقمي الضيق، بدل معالجة الأعطاب البنيوية العميقة التي يعاني منها التعليم العمومي.
وأبرزت الهيئات النقابية أن أي إصلاح تربوي لا يمكن أن ينجح إلا إذا بني على مقاربة تشاركية تحترم الخبرة المهنية للأطر التربوية والإدارية، وتضمن الإنصاف وجودة التعلمات، مشيرة إلى أن الطريقة الحالية في تنزيل المشروع تثير العديد من علامات الاستفهام، وتكشف عن اختلالات تمس جوهر الفعل التربوي واستقرار المؤسسات التعليمية.
وسجلت النقابات أن مشروع مدارس الريادة، الذي تم تقديمه كمدخل لتحسين التعلمات، أفرز على أرض الواقع تبسيطا مفرطا للمضامين الدراسية، واختزالا للعملية التعليمية في مؤشرات رقمية ومعطيات تقنية على حساب العمق البيداغوجي والتربوي والإنساني.
واعتبرت النقابات أن المشروع يضعف الدور التربوي للأستاذ عبر حصره في تنفيذ تعليمات جاهزة، بدل اعتباره فاعلا أساسيا وشريكا في البناء التربوي، مضيفة أن المشروع يفرض أعباء إضافية على نساء ورجال التعليم، تشمل التتبع الرقمي، والتكوينات المتسارعة، والتقارير المتعددة، وإعادة الامتحانات، دون تحفيز مادي أو معنوي كاف ومستدام.
وانتقدت النقابات تغليب منطق التجهيزات والبرامج والصفقات على حساب الاستثمار في الموارد البشرية وتحسين ظروف العمل داخل المؤسسات التعليمية، والتفاوتات التي يفرزها المشروع بين المؤسسات، بما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ووحدة المدرسة العمومية.
وحملت النقابات وزارة التربية الوطنية والمسؤولين المركزيين عن برنامج الريادة المسؤولية القانونية والإدارية والأخلاقية في واقعة تسريب الامتحانات بمؤسسات الريادة في السلك الابتدائي، معتبرة أن الحادثة نتيجة مباشرة للقفز على القنوات الإدارية الرسمية والاعتماد على وسائل غير مؤمنة مثل تطبيق «واتساب» ومنصات التخزين السحابي.
وشددت الهيئات النقابية على رفضها القاطع لتحويل الفاعلين التربويين من أساتذة وإداريين ومفتشين وتلاميذ إلى مجرد أدوات تنفيذ، وإثقال كاهلهم بتقويمات وعمليات تقنية بعيدة عن الأسس البيداغوجية والديداكتيكية، ولا تستند إلى أطر مرجعية واضحة لتفسير النتائج وقراءتها.
ودعت النقابات إلى إعادة النظر في منظومة التقويم التي تحولت إلى أداة تقنية منزوعة البعد البيداغوجي والإنساني، مؤكدة تشبثها بتعليم عمومي موحد، ديمقراطي، مجاني وجيد، قائم على الاستثمار في العنصر البشري، وتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية، واحترام القوانين المؤطرة للعمل التربوي، وضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص.
وطالبت بفتح حوار وطني جاد ومسؤول حول إصلاح تربوي حقيقي ينطلق من الواقع المدرسي وخبرة المدرسين، بدل منطق التجريب الفوقي أو إملاءات مكاتب الدراسات واللجان المركزية.