على الرغم من التحسن الملحوظ في المستوى المعيشي للأسر المغربية بين عامي 2014 و2022، كما أظهر البحث الوطني الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط، إلا أن هذا التحسن لم يكن عادلاً أو شاملاً. التفاوتات الاجتماعية والمجالية تزداد اتساعاً، والهشاشة الاقتصادية تتفاقم، خاصة في الوسط الحضري، مما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية السياسات الاجتماعية الحالية في تحقيق العدالة وتقليص الفوارق.
أحد أبرز الجوانب السلبية التي كشف عنها البحث هو تفاقم الفوارق الاجتماعية. فبينما تحسنت أوضاع الفئات الأكثر فقراً والأكثر يسراً، بقيت الطبقة المتوسطة خارج دائرة الاستفادة الكاملة من النمو الاقتصادي. مؤشر جيني، الذي يقيس التفاوت في توزيع الدخل، ارتفع من 39.5% سنة 2014 إلى 40.5% سنة 2022، مما يعكس اتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية. هذا التفاوت يظهر أن سياسات إعادة التوزيع لم تكن كافية لضمان استفادة جميع الشرائح، خاصة الطبقة المتوسطة التي تعاني من تآكل قدرتها الشرائية وتراجع مستوى معيشتها.
الهشاشة الاقتصادية، التي تعني تعرض الأسر لخطر الوقوع في الفقر، أصبحت ظاهرة متزايدة، خاصة في الوسط الحضري. فقد ارتفع معدل الهشاشة من 12.5% سنة 2014 إلى 12.9% سنة 2022، مع ارتفاع ملحوظ في الوسط الحضري من 7.9% إلى 9.5%. هذا الارتفاع يعكس تزايد عدد الأسر الحضرية التي تعيش على حافة الفقر، في ظل غياب شبكات أمان اجتماعي كافية لمواجهة الصدمات الاقتصادية. وبحسب البحث، فإن حوالي 47.2% من الأفراد الذين يعانون من الهشاشة هم من سكان المدن، مقارنة بـ36% سنة 2014، مما يؤكد أن الهشاشة أصبحت ظاهرة حضرية بامتياز.
على الرغم من التراجع العام في معدل الفقر المطلق على المستوى الوطني، من 4.8% سنة 2014 إلى 3.9% سنة 2022، إلا أن الوسط الحضري شهد ارتفاعاً طفيفاً في معدل الفقر، من 1.6% إلى 2.2%. هذا الارتفاع، وإن كان محدوداً، إلا أنه يعكس تزايد التحديات التي تواجه الأسر الحضرية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل. كما أن بعض الجهات، مثل فاس-مكناس وكلميم-واد نون، سجلت معدلات فقر مرتفعة تفوق المتوسط الوطني، مما يبرز التفاوتات الجهوية الكبيرة.
على الرغم من الجهود المبذولة لتقليص الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي، إلا أن الفجوة بينهما بقيت قائمة. فمتوسط النفقة السنوية للأسر في الوسط الحضري يبلغ 95,386 درهماً، مقارنة بـ56,769 درهماً في الوسط القروي. كما أن متوسط الدخل السنوي للفرد في الحضر يبلغ 26,988 درهماً، أي أكثر من ضعف نظيره في الريف (12,862 درهماً). هذه الفجوة تعكس استمرار التفاوتات المجالية، حيث لا تزال المناطق القروية تعاني من نقص في الخدمات الأساسية وفرص العمل، مما يزيد من هشاشة سكانها.
الطبقة المتوسطة، التي تعتبر عماد أي اقتصاد، لم تستفد بشكل كافٍ من النمو الاقتصادي أو من سياسات إعادة التوزيع. فبينما تحسنت أوضاع الفئات الأكثر فقراً بفضل السياسات الاجتماعية الموجهة، بقيت الطبقة المتوسطة تعاني من تآكل قدرتها الشرائية وتراجع مستوى معيشتها. هذا الوضع يهدد الاستقرار الاجتماعي، حيث أن الطبقة المتوسطة تلعب دوراً محورياً في تعزيز النمو الاقتصادي والاستهلاك المحلي.
في الختام، تكشف نتائج البحث الوطني حول مستوى معيشة الأسر في المغرب عن تحسن عام في المستوى المعيشي، لكنه تحسن غير شامل ولا عادل. التفاوتات الاجتماعية والمجالية تتفاقم، والهشاشة الاقتصادية تزداد، خاصة في الوسط الحضري. هذه النتائج تدفع إلى ضرورة إعادة النظر في السياسات الاجتماعية الحالية واعتماد سياسات أكثر عدالة تستهدف جميع الفئات الاجتماعية، خاصة الطبقة المتوسطة، من أجل تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام. بدون ذلك، ستستمر الفوارق في التفاقم، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.








تعليقات
0