انعقدت اللجنة الإدارية للاتحاد الاشتراكي في سياق سياسي ومؤسساتي بالغ الخطورة، باتت فيه أسس الممارسة الديمقراطية، وفي مقدمتها مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها كما نصّ عليه الدستور، مهدَّدة بشكل مباشر. فالمخاطر التي حذّر منها الحزب باستمرار لم تعد محصورة في خلافات سياسية عابرة، بل أضحت ناتجة عن تحوّل عميق مسّ جوهر التوازن المؤسساتي ذاته، حيث أصبح التغوّل سمةً بارزة في السلوك الحكومي.
فالسلطة التنفيذية باتت تتصرف كفاعل مهيمن، بما يُخلّ بمنطق فصل السلط، إذ تتراجع أمامها الضوابط الدستورية؛ فيجري اختزال البرلمان إلى مجرد “جسم زائد”، ويتم تجاوز الخطوط الحمراء عبر المساس باستقلال القضاء الدستوري من خلال اتصالات غير مشروعة، كما تُفرَّغ أدوات الرقابة البرلمانية من مضمونها، ويُمارَس إقصاء صريح لدور إحدى غرفتي التشريع، في مساس مباشر بمنطق الثنائية البرلمانية وبالوظيفة التمثيلية للمؤسسة التشريعية.
وقد بلغت هذه الاختلالات ذروتها في ممارسات تعيد إنتاج أسوأ ما عرفته الحياة السياسية في الماضي، غير أنها تتخذ اليوم طابعًا موسعًا ومؤسَّسًا. فاستغلال النفوذ وإمكانيات الدولة، الذي كان في مراحل سابقة حكرًا على حزب واحد، صار اليوم سلوكًا مشتركًا للأحزاب الثلاثة المشكلة للتحالف الحكومي. ويتجلى ذلك في مشاهد برلمانيي هذه الأحزاب وهم يتنقلون في دوائرهم الانتخابية مصحوبين بأعضاء من الحكومة، للترويج لمشاريع عمومية ممولة من أموال الشعب المغربي، في خلطٍ خطير بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكأن هذه المشاريع منّة حزبية أو مكاسب انتخابية شخصية.
إن هذا الخلط المتعمَّد بين مسؤولية الدولة وغايات الدعاية الحزبية يشكل استغلالًا صارخًا للنفوذ وإهدارًا للمال العام، ويقوّض مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، ويضرب في العمق شرط الحياد المفترض للدولة، الذي لا يستقيم بدونه أي فصل حقيقي للسلط، ويفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وانطلاقًا من مسؤوليتها السياسية والدستورية، وفي دفاع صريح عن مبدأ فصل السلط باعتباره الضامن الأساسي لدولة القانون والمؤسسات، تعلن اللجنة الإدارية مواقفها المبدئية التالية:
أولًا: الدفاع عن استقلال القضاء والمؤسسات
• تُثمِّن اللجنة الإدارية قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية عدد من مواد قانون الصحافة، وتعتبره تجسيدًا عمليًا لدور القضاء الدستوري كسلطة مستقلة تُوازن باقي السلط، وتعزز التعددية وتصون سمو الدستور.
• وتدين كل محاولة للتدخل في شؤون المحكمة الدستورية أو التأثير على قضاتها، مؤكدة أن لجوء المعارضة إلى المؤسسات الدستورية حق مشروع، وأحد التعبيرات السليمة عن احترام فصل السلط وقواعد الديمقراطية.
ثانيًا: رفض تحميل المعارضة تبعات فشل الحكومة
• ترفض اللجنة تحميل المعارضة مسؤولية تعثر تنزيل قانون الصحافة أو الأزمات المهنية الناتجة عنه، باعتبار أن مسؤولية التنفيذ والتدبير تقع على عاتق السلطة التنفيذية وحدها، في انسجام مع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
• وتحمّل الحكومة المسؤولية السياسية الكاملة عن حالة الجمود، نتيجة رفضها المتكرر للحوار والتشاور، وتجاهلها لآراء ومواقف المؤسسات الدستورية الوطنية، بما يخلّ بمنطق التعاون المتوازن بين السلط.
ثالثًا: التمسك بالدور الدستوري للمعارضة البرلمانية
• تؤكد اللجنة أن المعارضة قامت بواجبها الدستوري داخل البرلمان، من خلال تقديم عشرات التعديلات المقترَحة، في احترام تام لقواعد العمل المؤسسي ولمقتضيات فصل السلط.
• وترفض أي محاولة لتحويل المعاناة المشروعة للصحافيين وهشاشة المؤسسات الإعلامية إلى أداة للضغط السياسي أو الابتزاز الانتخابي، أو إلى ذريعة للمساس بحرية التعبير.
رابعًا: المطالبة بحياد الدولة وتكافؤ الفرص
• تستحضر اللجنة دروس التاريخ وسوابقه، التي أثبتت أن التعددية السياسية تشكل خيارًا استراتيجيًا ثابتًا في النظام الدستوري المغربي، ولا تستقيم إلا في ظل احترام صارم لفصل السلط وحياد الدولة.
• وتطالب بالوقف الفوري لاستغلال المال العام والنفوذ الحكومي، وضمان الفصل الواضح والحازم بين العمل الحكومي الرسمي والنشاط الحزبي.
• كما تؤكد أن الدخول إلى أي استحقاق انتخابي في ظل هذا الوضع المختل أمر غير مقبول، لما يشكله من تهديد مباشر لنزاهة الانتخابات ولمصداقية المسار الديمقراطي برمّته.
وإذ تُعبّر اللجنة الإدارية عن هذه المواقف، فإنها تلتزم بمتابعتها والعمل على تجسيدها سياسيًا ومؤسساتيًا، دفاعًا عن مبدأ فصل السلط، وعن اختيار الشعب المغربي في العيش ضمن دولة المؤسسات والقانون.








تعليقات
0