عندما يصبح الاستثمار في البنية التحتية الرياضية مجرد شعار، وعندما تتحول الملاعب إلى مشاريع لا تنتهي، يصبح من الضروري طرح السؤال: أين تذهب الأموال المخصصة لهذه الإصلاحات؟ المركب الرياضي محمد الخامس، أيقونة الرياضة في الدار البيضاء، يجد نفسه اليوم وسط زوبعة من الجدل، ليس فقط حول مصيره القانوني، ولكن أيضاً حول مصاريف “إعادة تأهيله” المتكررة، والتي لم تزد الملعب إلا سوءًا.
فلقد رفضت جماعة الدار البيضاء رسميًا طلب مندوب الأملاك التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية بتفويت عقار الملعب، مؤكدة أن المركب الرياضي ملك عام لا يمكن التصرف فيه. هذا الموقف يبدو في ظاهره دفاعًا عن الصالح العام، لكنه يخفي وراءه صراع مصالح بين أطراف تسعى كل منها لإثبات سلطتها على الملعب. السؤال هنا ليس فقط حول قانونية التفويت، بل حول سبب تقديم هذا الطلب أصلًا في هذا التوقيت، ومن المستفيد الحقيقي من أي تغيير في وضعية المركب؟
عبد اللطيف الناصيري، نائب عمدة الدار البيضاء، أوضح أن الجماعة لا تنوي التفويت، لكنه في الوقت ذاته فتح بابًا جديدًا للنقاش عندما اقترح بيع المركب لناديي الوداد والرجاء بسعر رمزي. هل هذا الاقتراح هو الحل الأمثل؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه محاولة لاحتواء غضب الجماهير؟
عشوائية الإصلاحات أم هدر ممنهج للمال العام؟
منذ سنوات، والمركب الرياضي محمد الخامس يخضع لإصلاحات مستمرة، دون أن تظهر نتائج ملموسة تبرر الأموال الطائلة التي صُرفت عليه. المسؤولون يتحدثون عن تطوير الملعب لمواكبة المعايير الدولية، ولكن الواقع يكشف عن “ترقيعات” مؤقتة تزيد من تدهور البنية التحتية بدل تحسينها.
التصريحات الصادرة عن أعضاء مجلس المدينة والفاعلين الرياضيين، مثل مروان راشدي وعادل فاضيلي، تؤكد أن عمليات الترميم تتم بطريقة ارتجالية، دون رؤية واضحة أو مخطط مستدام. كيف يمكن تبرير إنفاق أكثر من 47 مليون درهم في ظرف سنوات قليلة دون تحقيق نتائج ملموسة؟ لماذا يتم هدم وإعادة بناء أجزاء من الملعب خلال فترات متقاربة؟
ما يقع بالمركب الرياضي هو استثمارات أم فساد مقنع؟
الحديث عن ضخ الأموال في المركب الرياضي محمد الخامس يجب أن يُربط بالسؤال الأهم: هل هذه المصاريف تُصرف بطريقة شفافة؟ الميزانية الضخمة التي تم تخصيصها لإصلاح الملعب تجعلنا نتساءل عن الجهات المستفيدة من هذه الصفقات. هل نحن أمام استثمار حقيقي، أم أن الأمر لا يعدو كونه قناعًا يخفي وراءه مصالح خاصة؟
لا يمكن الحديث عن الملاعب والبنية التحتية الرياضية دون التطرق إلى الفساد الإداري، وهو ما يثير تساؤلات حول الرقابة المفروضة على الصفقات المرتبطة بإعادة تأهيل المركب. من يحدد الشركات التي يتم التعاقد معها؟ ولماذا لا يتم إشراك الجمهور والمهتمين بالرياضة في تقييم هذه المشاريع؟
الحل: الشفافية والمحاسبة
بدلًا من الاستمرار في ضخ الأموال في إصلاحات عشوائية، يجب فرض رقابة صارمة على تدبير المركب الرياضي محمد الخامس. من الضروري إجراء تدقيق مالي مستقل للكشف عن أوجه الإنفاق، ومعاقبة أي مسؤول يثبت تورطه في سوء التدبير أو الفساد.
كما أن مستقبل الملعب يجب أن ييحسم بطريقة شفافة، عبر استشارة الأندية الرياضية والجماهير، بدل ترك القرار بيد مسؤولين يتغيرون مع كل ولاية سياسية. فإذا كان هناك تفويت، فيجب أن يكون مبنيًا على رؤية واضحة تحافظ على هوية الملعب وتضمن استدامته.
في النهاية، المركب الرياضي محمد الخامس ليس مجرد قطعة أرض أو عقار يمكن بيعه أو تفويته، بل هو جزء من ذاكرة مدينة الدار البيضاء وتاريخها الرياضي. ومن حق الجماهير أن تعرف أين تذهب الأموال التي تُصرف باسمه، ومن الواجب معاقبة كل من يعبث به تحت أي مسمى.








تعليقات
0