هناك لحظات في السياسة لا تحتاج إلى تعليق طويل، يكفي أن تُطرح الأسئلة بهدوء، فتتكفل الوقائع بالباقي.
حين يصرّح عبد الهادي خيرات، في حوار تلفزيوني، بأنه فكّر في الالتحاق بحزب العدالة والتنمية في مرحلة ما قبل أن يستقر به المقام في حزب آخر، فإن الأمر لا يمكن أن يمرّ كجملة عابرة. لأن التصريح لا يتعلق بخيار تنظيمي شخصي فقط، بل بسياق سياسي وتاريخي وشخصي معقّد.
عبد الهادي خيرات ارتبط اسمه لسنوات بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وبذراعه الإعلامي في مرحلة دقيقة من تاريخه. لذلك يبدو الانتقال، حتى على مستوى “التفكير”، نحو حزب ذي مرجعية مختلفة جذريًا، ليس مجرد تنقّل بين عناوين حزبية، بل تحوّل في الموقع الرمزي والسياسي. والسياسة، مهما حاول البعض تبسيطها، ليست مجرد تبديل بطاقة انخراط.
الاستغراب الأول يتعلق بمضمون التصريح نفسه. كيف يمكن لمن تَمثّل خطابًا سياسيًا معينًا لسنوات، ودافع عن اختيارات إيديولوجية واضحة، أن يضع نفسه – ولو نظريًا – على مسافة خطوة من ضفة سياسية أخرى؟
هل كان الأمر تكتيكًا؟ مراجعة فكرية؟ أم مجرد جسّ نبض؟
هنا يحق للرأي العام أن يتساءل، لأن السياسة ليست فضاءً بلا ذاكرة.
الاستغراب الثاني يرتبط بتوقيت الاستضافة. لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة؟ حين تختار قناة عمومية شخصية بعينها، في ظرف سياسي حساس، فهي لا تمارس فعلًا بريئًا بالكامل. الإعلام العمومي مؤسسة تمول من المال العام، واختياراته التحريرية تُقرأ دائمًا في سياقها. ليس من باب نظرية المؤامرة، بل من منطق تحليل الأجندة: من يتكلم؟ متى؟ ولماذا؟
أما الاستغراب الثالث، فهو الأكثر حساسية. فالشخصية المعنية غادرت في وقت سابق موقعًا إعلاميًا مرتبطًا بحزب الاتحاد الاشتراكي في أجواء لم تخلُ من جدل، وترددت آنذاك أحاديث أمور شتى و عن محاولات للهيمنة أو إعادة تشكيل التوازنات داخل ذلك الذراع الإعلامي، قبل أن تنتهي التجربة دون نجاح في فرض الأمر الواقع. تلك المرحلة ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية لعدد من المتتبعين.
هنا تبرز المفارقة: كيف ينتقل الخطاب إلى موقع التفكير في الالتحاق بحزب آخر يختلف معه في المرجعية والسردية السياسية؟ هل نحن أمام براغماتية مفرطة؟ أم أمام أزمة تموقع؟ أم أمام قراءة جديدة للتحالفات الممكنة؟
في النهاية، المسألة ليست شخصية بقدر ما هي سؤال عن معنى الالتزام الحزبي، وحدود البراغماتية، ودور الإعلام العمومي في صناعة اللحظة السياسية. وفي زمن تتداخل فيه الصورة مع الرسالة، يصبح التوقيت أحيانًا أبلغ من الكلمات.








تعليقات
0